تخطى إلى المحتوى

مدن حمراء.. انتعاش الدعارة في سوريا

الدعارة في سوريا

سنوات انتعاش الدعارة في سوريا جاءت بعد 1990 عندما بدأت قوافل الفتيات الروسيات بالتوافد على المدن السورية وبالتحديد في دمشق وريفها، وهذا بسبب سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار منظومته الاقتصادية والاجتماعية.

لم تكن نورا لتصل إلى ما هي عليه الآن من اكتئاب وعزلة لولا أن اعتدى عليها مجموعة من منتسبي الدفاع الوطني في ريف حمص أثناء اقتحام قريتها المطلة على العاصي.. “اغتصبوني أنا وأختي الكبرى واقتادوا إخوتي إلى مكان مجهول لم يعودوا منه حتى اللحظة”.

وجه (إلهام) الخائف لا يشي بأنها تعمل في مهنة تحتاج إلى الوقاحة والابتذال لكنها الحاجة للعيش -ليس كما تقال- من أجل الكرامة بل من أجل الحياة، وهي لا تريدها لها بل لثلاثة أطفال لا معيل لهم سواها، ودفع إيجار الغرفة الصغيرة في إحدى مدن ريف دمشق الغربي حيث قادتها المقادير لتصير نازحة في بلدها.

صورتان ربما تعكسان واقع الحال في بلد دفعت فيه المرأة ثمناً باهظاً من أجل أن تبقى على قيد حياة تشبه الموت، وأما الصور الأخرى فهي أشد قسوة حينما تعجز الأجساد الضعيفة عن حماية نفسها من لوثة الشهوة والقتل.

انتعاش ورعاية

سنوات انتعاش الدعارة جاءت بعد 1990 عندما بدأت قوافل الفتيات الروسيات بالتوافد على المدن السورية وبالتحديد في دمشق وريفها، وهذا بسبب سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار منظومته الاقتصادية والاجتماعية، ما دفع بهن خارج السور العظيم المنهار.

بعض فنادق العاصمة (برج آلاء) كانت مرتعاً للإقامة وتوريد العاهرات الصغيرات فيما كانت النسوة الأكبر سناً يحاولن العيش ببيع الألبسة في شوارع العاصمة (الصالحية – الجسر الأبيض).

الدكتور طلال مصطفى، باحث وكاتب سوري، في حديث لـTRT عربي، يرى أن الدعارة هي نتاج ممارسات سلطة حافظ الأسد لغايات استبدادية “بدأت تبرز ظاهرة بيوت الدعارة في سوريا بعد وصول الأسد الأب إلى السلطة في السبعينيات، وانتشرت كظاهرة اجتماعية علنية في الثمانينيات على إثر انتفاضة الإخوان المسلمين، بهدف تصديع المجتمع السوري المحافظ بتوجيهات من حزب البعث من خلال السماح بانتشار آلاف البيوت لممارسة الدعارة بشكل غير معلن وبإشراف الفروع الأمنية وبوساطة آلاف المكاتب العقارية في مدينة دمشق وتحت عنوان السياحة الاقتصادية، بخاصة بالنسبة للخليجيين بسبب الحرب الأهلية في لبنان وعدم توفر الأمان بالنسبة إليهم”.

دعارة بعناوين متعددة

لم تسنّ الحكومات المتعددة في سوريا أي قانون يسهل أو يسمح بممارسة الدعارة علانية، ولكنها وتحت أسماء عدة غضت الطرف عن انتشارها، ودخلت السلطة الأمنية برأسمالها الفاسد عن طريق استثمار المتنزهات والملاهي المنتشرة في محيط العاصمة، وهكذا توسعت تحت أعين النظام وحمايته.

في هذا السياق يقول الدكتور مصطفى “جرى تقدير عدد بيوت الدعارة في عهد الأسد الأب بأكثر من 40 ألف دار وحصل الالتفاف على عدم وجود قانون يرخص هذه الدور بترخيص نقابة الفنانين لكل اللواتي يعملن في الملاهي والمراقص الليلية على أنهن فنانات”.

ومع احتلال العراق، وتدفق اللاجئين ساهمت سلطة الأسد الابن في استثمار الدعارة وفق رأي الدكتور مصطفى “يقدر عدد الملاهي بالآلاف في مدينة دمشق وقد تضاعفت في عهد الأسد الابن وبخاصة بعد عام 2004 وقدوم الجالية العراقية إلى دمشق، وقيام بعض العراقيات بالعمل في هذه الملاهي التي تعود ملكيتها غير المباشرة إلى الشخصيات النافذة في السلطة”.

وسط النار

مع ارتفاع صوت الرصاص في سوريا 2011 بدأت السلطة ومن معها من مليشيات على اختلاف تسمياتها بالنظر إلى الدعارة على أنها إحدى وسائل تفتيت المجتمع المعارض، وفي الوقت نفسه إشغال المؤيدين بالمخدرات والدعارة كوسائل عيش تدر مالاً كثيراً في ظل اقتصاد متهالك ونظام غير قادر على تأمين مستلزمات حياة كريمة حتى لأولئك الذين يحملون من أجله السلاح.

الصحفي السوري تامر قرقوط يرى أن الفقر هو أحد أهم عوامل انتشار الدعارة، وهو نتاج سياسات حكومية خاطئة وحرب مستمرة “ثمرة غير ناضجة للسياسات الاقتصادية الحكومية المتتابعة، ونتيجة لثماني سنوات حرب مدمرة، وسبب رئيس لانتشار الفقر وتغوله في المجتمع. إذ سقطت مقولة الحرة لا تأكل بثدييها، فالحرب قلبت الموازين، والفقر أسس قواعد جديدة للحياة الصعبة، بخاصة أن أكثر من ثلثي عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر، كما أن الانهيار الأخلاقي يرافق سوء الحالة الاقتصادية وغياب التنمية وعدم وجود أمل يلوح في الأفق ليتمسك به الناس”.

ولكن في قراءة أخرى للأسباب الحقيقية التي أوصلت الاقتصاد السوري إلى حافة الانهيار، وانجراف المجتمع نحو الرذيلة كخلاص من الجوع يعود إلى الحرب العمياء التي شنها النظام على السوريين، وأدت إلى انتشار المخدرات والدعارة وهذا ما يؤكده الدكتور عبد المنعم الحموي، أستاذ الاقتصاد في جامعة غازي عينتاب: “أدت الحرب والنهج التدميري الذي اتبعه النظام في مواجهة الثورة إلى قتل مئات الآلاف من السوريين أغلبهم رجال وشباب، وتشريد الملايين وانتشار الفوضى، وضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع السوري، إذ حرمت قطاعات واسعة من مصادر الكسب المعيشي مع انحسار القوامة الاجتماعية التي كانت سائدة، ما أدى إلى سهولة استغلال النساء من قبل ضعيفي النفوس وشبكات الدعارة المنظمة أو العشوائية”.

مدن حمراء

يضرب السوريون في الداخل والخارج مثالاً كبيراً على استفحال هذه الظاهرة، وبينما كانت تنحصر قبل الثورة في منطقة المرجة بدمشق، وخط المتنزهات الليلية في أطرافها الأربعة، وبعض البيوتات المعروفة في ضواحيها باتت مدينة كبيرة مثل (جرمانا) -تجاوز عدد سكانها مليوني نسمة خلال الحرب بسبب حالات النزوح الكبيرة إليها- مرتعاً لبيوت الدعارة والقوادين والباحثين عن المتعة والمال.

أما لماذا جرمانا بالتحديد من بين مدن الريف الدمشقي، فيرى الصحفي تامر قرقوط أن هناك جملة من الأسباب ساهمت في ذلك، “جرمانا كغيرها من المدن السورية التي اختلط فيها الحابل بالنابل وتخلخلت فيها البنى المجتمعية لوجود قوى كثيرة أفرزتها الحرب، لا يهمها سوى جمع الثروة، استغلت حاجة الناس، واستثمرت في قاع المجتمع الفقير والمهجرين، واصطادت الزبائن ضاربة عرض الحائط بكل القيم المجتمعية والأخلاقية التي كانت سائدة، ومُستغِلة حالة الانفتاح التقليدية التي تسم المدينة”.

وقد وصل عدد البيوت التي تعمل في الدعارة في جرمانا وحدها وفق مواقع موالية للنظام وحكومية (صاحبة الجلالة – الوطن) إلى أكثر من 200 بيت، وإضافة إلى ذلك انتشار دعارة الذكور والدعارة العابرة للحدود حسب سلسلة تحقيقات كشفت عن أن هذه النشاطات تدار من هذه المدينة.

وأما من يسيطر على المدينة فهو النظام ممثلاً ببعض الأجهزة الأمنية والمليشيات الموالية، وبتسهيلات عبرها كما يرى ذلك الصحفي قرقوط “وإذا كانت الحكومة عبر أجهزتها الأمنية والعسكرية والسياسية، تسيطر على جرمانا، فإن نمو هذه الظاهرة يمر عبر تسهيلات يقدمها نافذون فيها، بل ويؤمنون الرعاية والحماية لممارسيها، ولا أستبعد وجود شراكات فيما بينهم”.

خارج سيطرة النظام

أيضاً لم تسلم مناطق المعارضة من حمى هذا الوباء لأسباب مختلفة لكن القاسم فيها يعود إلى أسباب اقتصادية وأمنية، واللافت أن أغلب الصحفيين والناشطين المعارضين الذين حاولنا استطلاع آرائهم تهربوا من الإجابة عن هذا الموضوع لما له تبعات عليهم، وخشية أن يصب تناول هذا الأمر في مصلحة النظام، وذلك على الرغم من إقرارهم بها.

الدكتور الحموي يرى أن الدعارة في مناطق المعارضة تفشت على نطاق ضيق “في المناطق خارج سيطرة النظام تكون الأمور أقل اتساعاً وتنظيماً، فيما يشبه الخلايا، وعلى نطاق ضيق ومكاسب محدودة، جرى استغلال عدد منها لصالح العمالة للنظام أو غيره، وربما القيام أيضاً بعمليات أمنية”.

وقد شهدت مناطق متعددة تسيطر عليها المعارضة، والمناطق التي تسيطر عليها قسد، جرائم شرف ناتجة عن علاقات غير شرعية (هكذا سميت)، وكذلك شهدت هذه المناطق حالات نزوح متعددة من مناطق مختلفة وبيئات متنوعة، وتعيش أغلبها حالة فقر مدقع أدى إلى انتشار جرائم السرقة والقتل وكذلك الدعارة.

ساقطات.. عنوة

يقولون لي “أنتِ ساقطة”.. حنان أم لطفلين قتل والدهما في قصف على مدينة عربين بغوطة دمشق ما اضطرها إلى الهرب بهما إلى مدينة دمشق.. تتابع حديثها لـTRT عربي “حاولت أن أعمل في مشفى المواساة والمجتهد كمستخدمة نظافة لكنهم رفضوني، وسوء الحال وجارتي اللعينة أخذاني إلى طريق السوء”.

مروة زوجة أحد عناصر الدفاع المدني الذين سقطوا في معارك النظام تعمل في أحد بيوت الدعارة بجرمانا والسبب كما تقول “لا أحد يهتم بي، وقد أصبحت أرملة والجميع يراني فريسة، وتعويض زوجي نفد لم يصمد شهراً واحداً.. بيع الجسد لم يكن خياري”.

حكايات كثيرة بعضها لمن اخترن طريق الدعارة مكرهات، وأخريات وجدن فيه طريقاً سهلاً لجمع المال في ظل واقع اقتصادي متهالك، وسلطة فاسدة لا تحمي أحداً.

يرى الدكتور عبد المنعم الحموي أن علاج هذه الظاهرة المستشرية يحتاج إلى بيئة قانونية محفزة ويتابع لـTRT عربي “علاج ظاهرة الدعارة وانتشارها يتطلب استراتيجية اجتماعية واقتصادية وتربوية، ولا بد من بيئة قانونية محفزة وبرامج عمل تكفل للمتخلين عن العمل فيها إيجاد عمل بديل يؤمّن لهم معيشة كريمة، إضافة إلى العمل بصورة جادة لإعادة احتضانهم أسرياً، ومتابعة حالتهم من جهات اجتماعية مختصة”.

TRT

%d مدونون معجبون بهذه: