تخطى إلى المحتوى

السوريون كلهم قادة

صفاء مهنا

نصادف في حياتنا أشخاصًا يدّعون أنهم عالمون بكل شيء، ومحيطون بكل معلومة بجوانبها وحيثياتها، وبمقدماتها ونتائجها، ويتوهمون أن لديهم القدرة على إسداء “النصح” للآخرين، وأحيانًا يوغلون في هذا الوهم؛ فيلجؤون إلى تأنيب الآخرين، إن لم يمتثلوا لـ “النصائح” التي يعتقدون أنها دائمًا على صواب.

لا تقتصر ظاهرة ادعاء المعرفة وحب الظهور على شريحة معينة في المجتمع السوري، وربما يكون انتشارها الكثيف حاليًا ردةَ فعلٍ على ثقافة أو بيئة لا تتيح للآخرين إبداء الرأي، سواء داخل الأسرة أو خارجها.

عندما أتيح المجال للجميع بالتعبير وإبداء الرأي؛ صار مدّعو المعرفة يتوهمون أن ما يخطّونه على صفحات التواصل سيوثقه التاريخ؛ وباتوا يستشهدون بما يكتبونه بصورة لم يفعلها من قضى عمره في الدراسة والبحث للحصول على المعلومة الصحيحة.

الادعاء بمعرفة كل شيء عن أي شيء انتشرَ انتشارًا واسعًا، في الوسط الإعلامي، فعدة مداخلات تلفزيونية لشخص يظهر بصفة “شاهد عيان” عن حدث ما، قد تفضي بعد أشهر قليلة إلى تحوّل ذلك الشاهد إلى “الإعلامي” فلان، ويُلحق تلك الصفة باسمه على مواقع التواصل، ضاربًا عرض الحائط بتقاليد المهنة وشروطها وأصولها.

يعتقد هيثم العطواني الباحث في الفلسفة الحديثة أن ليس كل ما يقوله أولئك الأشخاص يُعدّ تحليلاً منطقيًا سليمًا، وقال: “لقد اتجه الجميع إلى الأحداث المؤثرة في سورية، وأصبح الكل يحلل ويعبّر عن رأيه، ويريد أن يكون له دور في مجريات الأحداث، وذلك من الناحية النظرية، لكن عند دفع الضريبة والضغط والملاحقة، معظمهم سيصمتون”.

فيما يقول المحامي رستم تمو: “في صيف عام 2012، استقبلتُ مراسل الغارديان البريطانية في مدينة الحسكة، وبسرية تامة غادر إلى دير الزور، ومكث خمسة عشر يومًا، ثم عاد إلى تركيا لينجز تقاريره، بالمقابل كان هناك شاب لم يكمل العشرين من عمره، يعمل كناشط إعلامي في الثورة، وفي أحد الأيام تحدث مع ثلاث محطات مختلفة عن تظاهرات القامشلي والحسكة والرقة، وكأنه موجود في التظاهرات، مع أنه يقيم في تركيا!”.

وأضاف أن: “الثورة فتحت الأبواب لهذه الظاهرة السلبية، لكي تنتشر كالوباء بين مختلف الشرائح، سواء كانوا سياسيين أو مثقفين، فالكل خبير بعلوم السياسة والطب والقانون والإعلام وحتى الفلك!”.

تؤثر التربية عمومًا وطريقة التعليم خاصة على النشء وآلية تفكيرهم وتعاملهم مع المجتمع، فالمجتمعات الغربية لا تعاني من مرض الادّعاء؛ لأن لكل شخص -مهما كان عمره أو المستوى التعليمي والثقافي الذي يملكه- حقّه المصان في التعبير، بينما لا تزال شعوبنا تفتقد ذلك.

يرى العطواني أن هذه الحالة ليست سلبية بالمطلق، إذ يمكن الاستفادة من تناميها في حال وجهت بالطريق الصحيح، وتمكن المجتمع من الاستفادة من تلك الكوادر المتحمسة، وبيّن ما ذهب إليه بقوله: “هذه الظاهرة تنطوي على عناصر إيجابية؛ حيث بات الجميع يهتم بالشأن العام، والكل يريد البحث عن الخلاص، طبعًا إذا تسنى توجيه هذه الظاهرة وتأطيرها في إطارها الصحيح”.

لقد حمل كثيرٌ من المعارضين، ربّما عن غير قصد، بعضَ الظواهر التي كرسها النظام، ومارسوها في مؤسسات المعارضة؛ ما أعاق العمل الثوري وتطوره، كما أراده السوريون حين انطلاقة الثورة، وهنا يرى تمو أن “الفوارق بين النظام ومعارضيه تنعدم نسبيًا في الممارسة، لكن الأمور تختلف بينهما في الشعارات فقط”.

تحتاج هذه الظاهرة إلى الكثير من المراجعة والتأمل والعمل مستقبلًا على التخلص منها، لدى الأجيال القادمة، وربما ذلك لن يكون إلا بالعدالة الاجتماعية ومنح الحقوق، فحين يجد المرء نفسه فعالًا، وأن المجتمع يتقبله دون اضطراره إلى استعمال رتوش لإرضائه، سيكون متصالحًا مع نفسه أولاً، ثم مع الدائرة المحيطة به ثانيًا.

%d مدونون معجبون بهذه: