تخطى إلى المحتوى

ذكرى اغتيال جورج حاوي… مواقف ثمنها دم

حافظ قرقوط

جورج حاوي

جاءت السنوات الأولى للألفية الجديدة، حُبلى بأحداث أسست لتغيرات جذرية في المنطقة، وكان لا بدّ لشخصية وطنية لبنانية، حافظت على خطها النضالي كجورج حاوي، من أن تدفع الثمن، لتختفي من ميدان الفعل، في ساحة لبنانية كانت مفتوحةً على كل الاحتمالات.

جاءت المرحلة التي اغتيل فيها، بعد نحو 5 سنوات على انسحاب مفاجئ لـ (إسرائيل) من جنوب لبنان، حين بدأ الحديث العام عن المقاومة التاريخية للحركة الوطنية اللبنانية، يعود للسطح، في محاولة لتثبيت تاريخها النضالي الذي يتناقض كليًا مع وجود ميليشيا طائفية، على هيئة حزب متطرف هو (حزب الله) الذي خطط للقفز على تضحيات الآخرين، ليسهل عليه تقديم نفسه على الساحة مقاومًا وحيدًا، ويتمكن من تأدية دوره الوظيفي في تخريب لبنان والمنطقة.

اغتيل حاوي، في 21 حزيران/ يونيو عام 2005، بعبوة ناسفة وُضعت أسفل كرسي سيارته، بعد أشهر قليلة على اغتيال رفيق الحريري، حين تلته سلسلة اغتيالات طالت إعلاميين وسياسيين، دفعوا ثمن مواقفهم الوطنية والإنسانية، ليصبحوا -كما اتضح لاحقًا- وقودًا لإبراز نجومية سياسية، لبشار الأسد ومحوره الممتد إلى لبنان، حيث حوصر الأسد دوليًا، على طريقة صناعة الدراما التي تجعل البطل يتحدى الصعاب، لينتصر عليها لاحقًا؛ فتسابق بعدئذ زعماء العالم لتسويقه، وطمس كل معالم الجرائم المرتكبة، ومنها جريمة اغتيال حاوي.

استقال حاوي من منصب أمين عام للحزب الشيوعي اللبناني عام 1993، وجعل لنفسه مسافة من النظام السوري، متابعًا مواقفه التي بدأها مع الحركة الوطنية اللبنانية التي كان أحد أركانها، مع زعيمها كمال جنبلاط، قبل اغتياله عام 1976.

وقف حاوي ضد دخول الجيش والأمن السورييْن إلى لبنان في سبعينيات القرن الماضي، على الرغم من تحالفه اللاحق معها، في مدة محدودة، ضد القوى المسيحية التي وقفت ضد الوجود الفلسطيني المتحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية.

بالمقابل، كان اليسار اللبناني، في تلك المرحلة، في واجهة المقاومة ضد الوجود الإسرائيلي، وأخذ نظام الأسد يتسلل عبر أدواته، لسحب تلك الورقة من يد الجميع والإمساك بها، لتصبح ورقة المساومة الأهم بيده، بعد تخليه عن الجولان السوري المحتل، وتحويله ورقة سياسية تدعم حكمه، وبذلك اختلف حاوي من جديد مع النظام السوري، وأعاد موقفه السياسي المعارض له.

تفتح ذكرى اغتيال شخصية نضالية، لها مكانتها كجورج حاوي، البابَ واسعًا على مواقف اليسار في المنطقة، وانسجامهما مع أفكاره السياسية والأيديولوجية، وبخاصة الحزبين الشيوعيين في لبنان وسورية، أو ما بقي منهما، كذلك المواقف المبدئية على الأقل نحو حقوق الناس، ودماء الضحايا، بحسب ما تطرحه شعارات تلك الأحزاب.

كتب مسعود محمد مادةً، في (الحوار المتمدن) في شباط/ فبراير عام 2016، تحت عنوان (لا مذهب للظلامية.. قتل المفكر حسين مروة نموذجًا)، قال فيها، في سرد لمرحلة الاغتيالات لقادة المقاومة اليسارية في ثمانينات القرن الماضي التي استفاد منها النظام و(حزب الله)، قال: إن “غازي كنعان طلبَ، من قيادة الحزب، إحاطته والتنسيق معه في كل عمليات (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية)، وإحاطته بتحركاتها، وبرنامجها، وأهدافها.. كان يعمل على تدجين المقاومة”، وأضاف محمد أن إلياس عطاالله قائد (جبهة المقاومة الوطنية) سرد له “قصة لقائه وجورج حاوي غير الودي مع عبد الحليم خدام للغرض نفسه، حيث خرج إلياس عطاالله حينئذ بانطباع سلبي، واستنتج أنه سيُفرض على الحزب الخروج من المقاومة”.

من المرجح أن ذاكرة حاوي السياسية حوت العديد من أسرار تلك المرحلة، وابتدأ الرجل يبوح ببعضها، وخاصة بعد اغتيال الحريري، إذ كان حاوي أحد الشخصيات الباقية من بيئة مقاومة، ليس لها أهداف غير وطنية أو مشاريع طائفية.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، اقتربت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني من النظام السوري، بينما جورج حاوي انضم إلى قائمة المعارضين للبقاء السوري، حيث أصبحت قوة سياسية متحالفة، ويحسب حسابها على الساحة اللبنانية، ولها ثقلها الكبير داخل البرلمان، وهي بداية الخروج القوي عن بيت الطاعة الأسدية.

أخذ حاوي، في تلك المرحلة، يقترب من (اليسار الديمقراطي) الذي تأسس من سياسيين لبنانيين، لهم مكانتهم واحترامهم، منهم شيوعيون سابقون ابتعدوا عن حزبهم الأم، بسبب مواقفه المتردية، حيث دفع اليسار الديمقراطي أيضًا ثمنَ مواقفه، باغتيال سمير قصير في 2 حزيران/ يونيو 2015، أي قبل عشرين يومًا من اغتيال حاوي، لكن قيادة الحزب الشيوعي، ممثلةً بخالد حدادة، أخذت تحتال على الألفاظ وتتقرب من النظام السوري أكثر من السابق، وتتعمد عدم الوضوح في أقوالها.

قال حدادة، بعد اغتيال حاوي: إن المتهم بقتله “كل المستفيدين من غيابه من أنظمة الاستخبارات جميعها، و(إسرائيل) وأمراء الطوائف”، وهكذا استعمل كلمة “مخابرات” لكنه أرفقها بكلمة “جميعها” وتلتها كلمة “إسرائيل”، وهي مربط فرس اليساريين المقاومين، بحسب تصنيف الأسد ومحوره اللبناني الذي أصبح الحزب الشيوعي جزءًا منه، على الرغم من اغتيال جلّ مفكريه وقادته منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اغتيال حاوي، بل صدرت أوامر أمنية في الجنوب اللبناني، بمغادرة كافة عائلات أعضاء الحزب بلداتهم.

يتساءل كثيرون: لو بقي حاوي حيًا حتى انطلاق الثورة السورية، أسيكون موقفه تابعًا لموقف الحزب الشيوعي اللبناني (الداعم للأسد وجرائمه)، أم سيكون مختلفًا، كما حصل قبل اغتياله، ولا سيّما أن هناك مواقف للعديد من المقاومين حتى الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، لا تخلوا من الفجور السياسي، في دعم إبادة السوريين؟! لكن على الرغم من ذلك، ومن استحالة المعرفة الدقيقة لموقف الراحل كونها افتراضية، فإن الدلائل التي جعلت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني تقف مساومةً على دماء اللبنانيين في عام 2005 وما بعدها، وجعلت حاوي يتخذ موقفًا أخلاقيًا مع اللبنانيين، في سياق تاريخه كسياسي لبناني وطني ناضل لأجل حرية الإنسان، من المرجح أنها ستجعله يتخذ الموقف الأخلاقي ذاته، بالوقوف في جانب الحق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: